علي بن يوسف القفطي
51
إنباه الرواة على أنباه النحاة
وقيل : إن زياد ابن أبيه قال لأبى الأسود : إن بنيّ يلحنون في القرآن ، فلو رسمت لهم رسما . فنقط المصحف . فقال : إن الظئر ( 1 ) والحشم قد أفسدوا ألسنتهم . فلو وضعت لهم كلاما . فوضع العربية . وقيل : إن ابنة لأبى الأسود قالت له : يا أبت ما أشدّ الحر ! في يوم شديد الحر - فقال لها : إذا كانت الصّقعاء من فوقك ، والرمضاء ( 2 ) من تحتك . فقالت : إنما أردت أن الحرّ شديد . فقال لها : فقولي إذن ما أشد الحرّ ! والصقعاء : الشمس . وقيل : إنه دخل إلى منزله ، فقالت له بعض بناته : ما أحسن السماء ! قال : أيّ بنية ، نجومها ، فقالت : إني لم أرد أيّ شئ منها أحسن ؟ وإنما تعجبت من حسنها ؛ فقال : إذا فقولي : ما أحسن السماء ! فحينئذ وضع كتابا ( 3 ) . قال أبو حرب بن أبي الأسود : أوّل باب رسم أبى من النحو باب التعجب . وقيل : أوّل باب رسم باب الفاعل والمفعول ، والمضاف ، وحروف الرفع والنصب والجر والجزم . قيل : وأتى أبو الأسود عبد اللَّه بن عباس ، فقال : إني أرى ألسنة العرب قد فسدت ؛ فأردت أن أضع شيئا لهم يقوّمون به ألسنتهم . قال : لعلك تريد النحو ؛ أما إنه حق ، واستعن بسورة يوسف . وحدّث أبو الحسن المدائنيّ عن عباد بن مسلم عن الشعبيّ قال : كتب عمر بن الخطاب - رضى اللَّه عنه - إلى أبى موسى : « أما بعد ؛ فتفقهوا في الدين ؛ وتعلموا السّنة ؛ وتفهّموا العربية ، وتعلَّموا طعن الدّرية ( 4 ) ؛ وأحسنوا عبارة الرؤيا ، وليعلَّم أبو الأسود أهل البصرة الإعراب » .
--> ( 1 ) في الأصل « الضئر » ، وهو تحريف ، والظئر : المرضع ، يريد أن المراضع من الموالى قد أفسدوا ألسنة الذين أرضعنهم من العرب . ( 2 ) الرمضاء : الرمل الشديد الحرارة . ( 3 ) قال في اللسان ( 10 : 72 ) : « فحينئذ وضع باب التعجب » . ( 4 ) الدرية : ما يتعلم عليه الطعن ، وفى الأصل : « الدربة » ، وهو تحريف .